احتضنت مدينة الدار البيضاء يوم السبت 28 مارس 2026 النسخة الثانية من منتدى المجتمع المدني العلمي جمع بين مراكز بحثية وفاعلين من المجتمع المدني، في مبادرة أطلقتها مؤسسة منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية، وذلك في سياق يتسم بتزايد الحاجة إلى إعادة التفكير في موقع المجتمع المدني العلمي وقدرته على التأثير الإيجابي في القضايا التنموية والمجتمعية.وقد عرف هذا اللقاء حضور باحثين وأساتذة وممثلي جمعيات، في محاولة لفتح نقاش جدي حول سبل بناء شراكات استراتيجية قائمة على التكامل بين إنتاج المعرفة وتفعيلها ميدانيًا.
في كلمته الافتتاحية، أكد عزيز مشواط مدير مؤسسة منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية أن هذا اللقاء يندرج ضمن مسار تراكمي انطلق مع النسخة الأولى من المنتدى، والتي أفضت إلى إعداد تقرير علمي مرجعي حول واقع مراكز البحث المدنية بالمغرب.وأوضح أن المرحلة الحالية تفرض انتقالًا نوعيًا من التشخيص إلى البناء، ومن التحليل إلى الفعل، مبرزًا أنه إذا كانت مراكز البحث تضطلع، نظريا، بوظيفة إنتاج المعرفة، فإن الجمعيات تمثل الفضاء الأمثل لاختبار هذه المعرفة وتفعيلها عمليا. كما شدد على ضرورة تجاوز العلاقات الظرفية نحو بناء شراكات استراتيجية طويلة المدى، قائمة على الثقة والعمل المشترك، وقادرة على تحقيق أثر اجتماعي فعلي.
وفي سياق متصل، ركز عبد الهادي الحلحولي رئيس مركز أطلس للأبحاث و الدراسات الاجتماعية، على إشكالية الحوكمة داخل مراكز البحث، معتبرًا أن التحدي لا يكمن فقط في إنتاج المعرفة، بل في تحويلها إلى معرفة عامة قابلة للتداول والاستعمال داخل المجتمع. وأشار إلى أن ضعف التعاون بين المراكز البحثية والجمعيات يعود إلى غياب وعي كافٍ بالتقاطعات المشتركة، داعيًا إلى تطوير الحكامة الداخلية وتعزيز الشفافية والمساءلة، إلى جانب الاستثمار في التكوين وتقريب المعرفة من الفضاء العمومي، بما يجعلها ذات قيمة وتأثير ملموس.
من جهته، اعتبر حوسا أزارو، عن مؤسسة روح أجدير الأطلس، أن المراكز البحثية لا يمكن فصلها عن الحقل الجمعوي، مؤكدًا أن مرجعيتها الفكرية تقوم على مقاربة نقدية تسعى إلى تغيير الواقع وليس فقط تفسيره. وشدد على أن السياق المغربي يفرض إعادة الاعتبار لدور الباحث في القضايا المجتمعية، داعيًا إلى إنتاج معرفة براغماتية قادرة على اقتراح بدائل وحلول، بدل الاكتفاء بالتشخيص. كما أشار إلى أن المراكز مطالبة بلعب أدوار متعددة، علمية وثقافية وبيداغوجية، بما يساهم في تنظيم الفعل المعرفي وتأطيره.
وفي ترجمة للتعاون الممكن بين الجمعيات والمراكز البحثية المدنية، قدم جعفر مهدي الباحث الرئيسي بمؤسسة منصات نتائج دراسة ميدانية أنجزتها المؤسسة حول النساء في الفضاء العام والحريات الفردية. وأبرز، خلال استعراضه نتائج البحث، أن المجتمع المغربي يشهد تحولات ملحوظة في تمثلاته اتجاه حضور المرأة في الفضاء العام، خاصة لدى فئات الشباب في الوسط الحضري والمتعلم. غير أن هذا القبول، حسب الدراسة، يظل مشروطًا بعوامل متعددة، أبرزها مسألة اللباس، كما أن الشعور بعدم الأمان وضعف الثقة في الحماية القانونية ما يزالان يؤثران على حضور النساء واستعمالهن للفضاءات العمومية.
وفي تفاعل مع معطيات الدراسة الميدانية لمنصات، توقفت مليكة المالح رئيسة جمعية ما بينهن، عند حدود الحرية الفردية للمرأة، معتبرة أنها تظل مقيدة داخل الإطار الأسري، حيث يرتبط اتخاذ القرار غالبًا بموافقة الزوج أو العائلة، مؤكدة أن الاستقلال المادي يشكل عنصرًا حاسمًا في تمكين المرأة من ممارسة حريتها. كما شددت على أن هذا التمكين ينبغي أن يبدأ من داخل الأسرة، عبر إشراك المرأة في صنع القرار.
من جانبه، أشار حسن ظفير المنسق العام لجمعية مبادرات تكوين ومرافقة فاعلي القرب إلى وجود تناقضات داخل تمثلات المجتمع، حيث تتعايش مواقف متباينة اتجاه قضايا المرأة والحريات، معتبراً أن هذه التحولات تظل هشة وغير مستقرة، وقد تتراجع في ظل غياب انخراط جماعي واعٍ. كما أبرز حجم الضغوط الاجتماعية غير المباشرة التي تواجهها النساء في الفضاء العام، والتي تعكس استمرارية القيود الثقافية رغم مظاهر التغير.
وفي علاقة بنتائج بحث منصات، ركزت وفاء الفحصي، عن جمعية السيدة الحرة، على الفجوة بين النصوص القانونية والواقع، معتبرة أن النساء يعشن وضعية "مواطنة منقوصة" نتيجة ضعف الإحساس بالأمان واستمرار أشكال من الوصاية الاجتماعية على الجسد. وأشارت إلى أن الإشكال لا يكمن فقط في غياب القوانين، بل في ضعف تفعيلها، داعية إلى فتح نقاش علمي مسؤول حول عدد من القضايا الحساسة المرتبطة بالحريات الفردية.
أما أمين باها رئيس مركز البطحاء المتعدد الاختصاصات لتمكين النساء فقد أكد بدوره، على أهمية الربط بين البحث العلمي والمعطيات الميدانية، مشيرًا إلى أن الجمعيات، خصوصًا العاملة في الأحياء الهشة، تتوفر على معطيات غنية حول الواقع الاجتماعي، لكنها تظل غير مستثمرة بالشكل الكافي. واعتبر أن تجاوز هذا الوضع يقتضي إشراك الفاعلين الميدانيين في إنتاج المعرفة، وتثمين خبراتهم، وخلق فضاءات دائمة للحوار، بما يساهم في بلورة سياسات عمومية أكثر ارتباطًا بالواقع.
و خلص هذا اللقاء إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من المعرفة النظرية إلى الفعل التطبيقي، عبر بناء شراكات استراتيجية بين مراكز البحث والجمعيات المدنية، قائمة على الثقة والتكامل. كما تم التأكيد على أن تحقيق أثر اجتماعي حقيقي يمر عبر تحويل المعرفة إلى أدوات عملية، قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية، خاصة في القضايا المرتبطة بالمرأة والفضاء العام، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة.
إعداد: ياسمين ازريضا، باحثة متدربة بمنصات