نسخة تجريبية

الجسد والفضاء العام والدين: كيف يقرأ باحثون شباب تحولات المجتمع المغربي؟



خلصت الدورة التكوينية الخامسة لــبرنامج جيل عبد الكبير الخطيبي، المنعقدة بمدينة الدار البيضاء يوم 28 فبراير، إلى أن قضايا الجسد والفضاء العام والدين تشكّل مفاتيح مركزية لفهم التحولات الاجتماعية بالمغرب، في ظل التوتر القائم بين الاعتراف المعياري بالحقوق واستمرار آليات الضبط والهيمنة في الواقع اليومي. وقد شكّل هذا اللقاء محطة علمية لتقديم ومناقشة أبحاث سوسيولوجية قيد الإنجاز من قبل المشاركين في برنامج جيل، في إطار حوار أكاديمي جمع باحثين شبابا وأساتذة مشرفين و فعاليات حقوقية ومدنية، واتسم بالصرامة النقدية والانفتاح على مقاربات تحليلية متعددة.

سميرة تازروت: الجسد الأنثوي والهيمنة المستبطنة

في مداخلتها حول التمثلات الاجتماعية لجسد المرأة في الفضاء العام المغربي، تناولت سميرة تازروت آليات إعادة إنتاج الخضوع والهيمنة الذكورية من خلال تمثلات النساء أنفسهن للجسد الأنثوي. وانطلقت من نتائج دراسة سابقة حول الحريات الفردية، مبرزة استمرار آليات السيطرة داخل الفضاء العام. واعتمدت، على المستوى النظري، على أعمال جوديت بتلر، وموريس غودوليي، وبيير بورديو، لتؤكد أن الجسد لا يعد معطى طبيعيا محايدا، بل بناء اجتماعيا وثقافيا خاضعا لمراقبة دينية وعائلية وقانونية. كما طرحت إشكالية مركزية مفادها: لماذا تسهم النساء أنفسهن في إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية؟ معتبرة أن الاستبطان الاجتماعي يجعل الجسد مجالاً للرقابة الذاتية والجماعية، حيث تغدو الحرية داخل الفضاء العام مشروطة وقابلة للتأويل الأخلاقي.


مهدي حفيظ: استراتيجيات التفاوض مع فضاء مُجندر

من جانبه، عالج مهدي حفيظ موضوع الجسد في الفضاء العام: تفاوض مستمر من الفردي إلى الجماعي، منطلقاً من اعتبار الفضاء العام فضاءً مُجندَراً تهيمن عليه الذكورية. وبيّن الفروق القائمة بين المجالين القروي والحضري في ما يتعلق بولوج النساء إلى الفضاء العام، مشيراً إلى وجود لا تزامن ثقافي بين خروج المرأة إلى سوق الشغل ومستوى القبول الاجتماعي بذلك.
كما اقترح تصنيفاً لاستراتيجيات النساء إلى أساليب تكيف صامتة، مثل إخفاء الذات وضبط المظهر، وأخرى معلنة تقوم على كسر الصمت واللجوء إلى الأطر القانونية. وخلص إلى أن هذه الاستراتيجيات لا تعبّر عن اختيار حر، بقدر ما تمثل استجابة قسرية لبنية فضاء عام غير محايد.


زكرياء بوهرة: تكاليف الحضور والفجوات التأسيسية

في مداخلته حول تحولات حضور النساء في الفضاء العمومي، طرح زكرياء بوهرة سؤال العلاقة بين الحضور في الفضاء العام وتحقيق الحريات الفردية. واعتمد في ذلك على مقاربة كمية وكيفية، ناقش من خلالها مفارقة الاعتراف النظري بحق الحضور مقابل الممارسة الفعلية للإقصاء. كما أبرز تباين درجات القبول حسب الفضاءات، من قبيل المقاهي، الفنادق، والنوادي الليلية، وتوقف عند الفروق بين المجال الحضري، القروي، وشبه الحضري، معتبراً هذا الأخير الأكثر ضبطا ومراقبة لسلوك النساء.

شيماء العيشي: الدين كقيمة مؤسسة وتحول أنماط التدين

انطلقت شيماء العيشي من اعتبار الدين قيمة مُؤسِّسة داخل المجتمع، غير أنه يعرف اليوم تنوعاً ملحوظاً في أنماط التدين داخل سياق الحداثة. وطرحت إشكالية تعريف الدين المعاصر: هل يُحدَّد بالانتماء، أم بالممارسة، أم بالمعنى الفردي الذي يمنحه الشخص لإيمانه؟وفي مراجعتها الأدبية، استحضرت أطروحات ماكس فيبر حول عقلنة الدين واعتباره “سلسلة ذاكرة” تحفظ الاستمرارية الرمزية. وخلصت إلى أن فئة الشباب باتت تمارس تديناً انتقائياً يعيد تأويل الممارسة الدينية، مع التوقف عند دلالات الحجاب بوصفه تعبيراً مركباً عن الهوية، والقناعة، والسياق الاجتماعي.

وأغنى النقاش الختامي تدخل الأستاذ عبد الباقي بلفقيه، الذي شدد على ضرورة ضبط المفاهيم الأساسية والإعلان الواضح عن الإشكاليات، داعياً إلى توسيع الأطر النظرية عبر إدماج مفاهيم التفاوض والازدواجية.
ومن جهته، ركّز الأستاذ عزيز مشواط على أهمية الانتقال من الوصف إلى بناء أطروحات تحليلية دقيقة، مبرزا أن الهيمنة الذكورية تعاد إنتاجها عبر آليات رمزية معقدة، أحياناً بمساهمة غير واعية من النساء أنفسهن، كما دعا إلى إدماج مفهوم التعددية الدينية في تحليل التحولات الراهنة للتدين.

يُذكر أن برنامج جيل عبد الكبير الخطيبي هو برنامج تكويني أطلقته منصات لدعم الباحثين الشباب في علوم الاجتماع والعلوم الاجتماعية، ويدخل هذا العام عامه الخامس، مساهماً في بناء جيل جديد من الباحثين القادرين على الجمع بين الصرامة الأكاديمية والانفتاح التحليلي على القضايا المعاصرة.