نسخة تجريبية

محمد جحاح وأسئلة الدين والسلطة والتحديث بالمغرب


يقدم محمد جحاح في هذا الكتاب، الصادر عن دار أفريقيا الشرق، عملا تركيبيا  يجمع بين الصرامة السوسيولوجية والحفر الأنثروبولوجي، مستندا إلى مسار بحثي ممتد منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي. فالكتاب ليس مؤلَّفا كلاسيكيا كتب دفعة واحدة، بل هو تجميع  لأبحاث ودراسات أُنجزت في سياقات زمنية ومعرفية مختلفة. غير أن ما يمنح هذه النصوص وحدتها الداخلية واتساقها هو خضوعها لإشكالية مركزية واحدة، قوامها مثلث الدين والسلطة والتحديث في المجتمع المغربي.

وانطلاقا من هذه الإشكالية الجامعة، يؤسس المؤلف تحليله على فرضية أساسية مفادها أن فهم مفارقات التحديث في المغرب يظل رهينا بتحليل العلاقة المركبة بين الدولة والمجتمع، كما تتجسد تاريخيا وسوسيولوجيا داخل النسق السياسي المغربي ذي الطبيعة المزدوجة، التقليدية والحديثة في آن. ولهذا الغرض، يعتمد جحاح مقاربة سوسيو-أنثروبولوجية تستحضر البعد التاريخي، وتحلل البنيات الرمزية، وترصد ديناميات الفاعلين، مع توظيف أدوات مستمدة من سوسيولوجيا التنظيم والتحليل الاستراتيجي.

وفي سياق تنزيل هذه المقاربة على الواقع المغربي، تحتل مؤسسة الزاوية موقعا مركزيا في البناء التحليلي للكتاب. إذ يتعامل معها المؤلف باعتبارها مختبرا سوسيولوجيا لفهم تشابكات المقدس والسياسي. فالزاوية لا تختزل في كونها تنظيما صوفيًا أو فضاء روحيا فحسب، بل تُقدَّم كبنية اجتماعية واقتصادية وسياسية لعبت أدوار الوساطة والتأطير، وأحيانا المنافسة مع المخزن. ومن خلال تتبع التحول من «سلطة المقدس» إلى «تقديس السلطة»، يبرز الكتاب كيف أعادت الدولة المغربية توظيف الرأسمال الرمزي الصوفي ضمن استراتيجيات بناء الشرعية والمشروعية.

وفي اتصال بهذا التحليل، يتوقف المؤلف عند مسألة التصوف المغربي، منتقدا المقاربات الأداتية التي تفسر ما يُسمى بـ«الانتعاشة الصوفية» المعاصرة فقط بإرادة الدولة، خصوصًا بعد أحداث 16 ماي 2003. ويقترح بدلا من ذلك مفهوم «الحراك الصوفي» لتفسير هذه الدينامية بوصفها نتاج استمرارية الطلب الاجتماعي على التصوف، وتفاعل البنيات الثقافية العميقة مع التحولات السياسية والأمنية. كما يبرز الكتاب التعدد الداخلي للتصوف المغربي، سواء على مستوى أنماط التدين، الشعبي منها والنخبوي، أو على مستوى طبيعة العلاقة بالدولة بين الموالاة والتوتر.

ويتعزز هذا التحليل من خلال الوقوف عند العلاقة الرمزية بين شيخ الزاوية وأمير المؤمنين، والتي تشكل أحد أهم محاور الكتاب. فكلاهما يتقاسم رأسمال الشرف والانتساب النبوي، ووظيفة الوساطة بين السماء والأرض. غير أن الأمير، بوصفه سلطة سياسية عليا، يعيد إدماج الرأسمال الروحي في منطق الحكم، جامعًا بين رمزية العمامة ورمزية السيف، وهو ما يفسر توظيف التصوف في السياسة الدينية، والدبلوماسية الروحية، وقضايا الأمن والاستقرار.

ومن هذا المنظور ذاته، لا يعزل الكتاب الدين عن السياق الاجتماعي والسياسي الراهن، بل يربط بينه وبين ديناميات الاحتجاج المعاصر، من حراك 20 فبراير إلى حراك الريف. إذ يحلل كيفية استدعاء المخيال الديني والرمزي في مواجهة المطالب الاجتماعية والديمقراطية، كما ينتقد انخراط قوى سياسية توصف بالحداثية في منطق شيطنة الحراك، مؤطرًا ذلك ضمن مفهوم الانقسامية الأخلاقية، بما يعكس عمق معيقات الانتقال الديمقراطي في المغرب.

 يمثل هذا الكتاب إضاف  للمكتبة السوسيولوجية المغربية والعربية، ليس فقط لغنى مادته الإمبريقية، بل أيضا لقوته النظرية ونفَسه النقدي. إنه عمل يزعزع المسلمات الجاهزة حول الدولة والدين والمجتمع، ويفتح أفقا تحليليا لفهم خصوصيات النسق السياسي المغربي ومفارقات التحديث فيه. وبذلك، لا يخاطب الباحثين في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا فحسب، بل يمتد اهتمامه إلى كل من ينشغل بأسئلة السلطة والدين والتحول الاجتماعي في المغرب.